ابن خلدون

389

تاريخ ابن خلدون

تلك الكرامة ولما سار السلطان أبو الحسن إلى إفريقية سنة ثمان وأربعين كما مر في أخباره استصحب أبا موسى بن الإمام معه مكرما موقرا عالي المحل قريب المجلس منه فلما استولى على إفريقية سرحه إلى بلده فأقام بها يسيرا وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وبقي أعقابهما بتلمسان دارجين في مسالك تلك الكرامة موقرين فيها طبقا على طبق إلى هذا العهد وأما السطي واسمه محمد بن سليمان من قبيلة سطة من بطون أوروبا بنواحي فاس فنزل أبوه سليمان مدينة فاس ونشأ محمد فيها وأخذ العلم عن الشيخ أبى الحسن الصغير امام المالكية بالمغرب والطائر الذكر وقاضي الجماعة بفاس وتفقه وقرأ عليه وكان أحفظ الناس لمذهب مالك وأفقههم فيه وكان السلطان أبو الحسن لعظم همته وبعد شأوه في الفضل يتشوف إلى تزيين مجلسه بالعلماء واختار منهم جماعة لصحابته ومجالسته كان منهم هذا الإمام محمد بن سليمان وقدم علينا بتونس في جملته وشهدنا وفور فضله وكان في الفقه من بينهم لا يجارى حفظا وفهما عهدي به رحمه الله تعالى وأخي موسى يقرأ عليه كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي وهو يصححه عليه من إملائه وحفظه في مجالس عديدة وكان هذا حاله في أكثر ما يعاني في جملة من الكتب وحضر مع السلطان أبى الحسن واقعة القيروان وخلص معه إلى تونس وأقام بها نحوا من سنتين وانتقض المغرب على السلطان واستقل به ابنه أبو عنان ثم ركب السلطان أبو الحسن في أساطيله من تونس آخر سنة خمسين ومر ببجاية فأدركه الغرق في سواحلها فغرقت أساطيله وغرق أهلها وأكثر من كان معه من هؤلاء الفضلاء وغيرهم ورمى به البحر ببعض الجزر هنالك حتى استنقذه منها بعض أساطيله ونجا إلى الجزائر بعد أن تلف موجوده والكثير من عياله وأصحابه وكان من أمره ما مر في أخباره وأما الأيلي واسمه محمد بن إبراهيم فمنشؤه بتلمسان وأصله من جالية الأندلس من أهل إيلة من بلد الجوف منها أجاز بأبيه وعمه أحمد فاستخدمهم يغمراسن ابن زيان وولده في جندهم وأصهر إبراهيم منهما إلى القاضي بتلمسان محمد بن غلبون في ابنته فولدت له محمدا هذا ونشأ بتلمسان في كفالة جده القاضي فنشأ له بذلك ميل إلى انتحال العلم من الجندية التي كانت منتحل أبيه وعمه فلما أيفع وأدرك سبق إلى ذهنه محبة التعاليم فبرز بها واشتهر وعكف الناس عليه في تعلمها وهذا في سن البلوغ ثم أظل السلطان يوسف بن يعقوب وخيم عليها يحاصرها وسير العساكر إلى الاعمال فافتتح أكثرها وكان إبراهيم الأيلي قائدا بهنين مرسى تلمسان في لبة من البحر فلما ملكها يوسف بن يعقوب اعتقل من وجدبها من أشياع بنى عبد الواد واعتقل إبراهيم الأيلي وشاع الخبر في تلمسان بأن يوسف بن يعقوب يسترهن أبناءهم